ابن عجيبة

547

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « فيموتوا » : جواب النفي . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ، يخلدون فيها ، لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا أي : لا يحكم بموت ثان فيستريحوا ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ساعة ، بل كلما خبت زيد إسعارها ، وهذا مثل قوله : لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ « 1 » ، وذكر عياض انعقاد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ، ولا يثابون عليها . ولا تخفيف عذاب . وقد ورد في الصحيح سؤال عائشة عن ابن جدعان ، وأنه كان يصل الرحم ، ويطعم المساكين ، فهل ذلك نافعه ، فقال عليه السّلام : « لا ، فإنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » . ثم قال عياض : ولكن بعضهم يكون أشد عذابا ، بحسب جرائمهم . وذكر أبو بكر البيهقي : أنه يجوز أن يراد بما ورد في الآيات والأخبار من بطلان خيرات الكفار : أنهم لا يتخلصون بها من النار ، ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجناية سوى الكفر ، ودافعه المازري . قال شارح الصغاني بعد هذا النقل : وعلى ما قاله عياض ، فما ورد في أبى طالب من النفع بشفاعته صلى اللّه عليه وسلم ، بسبب ذبّه عنه ونصرته له ، مختص به . ه . ويرد عليه ما ورد من التخفيف في حاتم بكرمه ، فالظاهر ما قاله البيهقي . واللّه أعلم . ومثل ما قاله في أبى طالب ، قيل في انتفاع أبى لهب بعتق ثويبة ، كما في الصحيح « 2 » . والحاصل : أن التخفيف يقع في بعض الكفار ، لبره في الدنيا ، تفضلا منه تعالى ، لا في مقابلة عملهم ؛ لعدم شرط قبوله . انظر الحاشية . كَذلِكَ أي : مثل ذلك الجزاء الفظيع ، نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ؛ مبالغ في الكفران وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها : يستغيثون ، فهو يفتعلون ، من : الصراخ ، وهو الصياح بجهد ومشقة . فاستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث . يقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا منها ، وردنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ، فنؤمن بعد

--> ( 1 ) من الآية 75 من سورة الزخرف . ( 2 ) كانت السيدة ( ثويبة ) مولاة لأبى لهب ، عم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فأعتقها حين بشرته بمولد النبي صلى اللّه عليه وسلم - على أصح الأقوال - حين قالت لأبى لهب : أشعرت أن آمنة قد ولدت غلاما لأخيك عبد الله ، فقال لها : اذهبي فأنت حرة . ويؤكد ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في ( النكاح ، باب وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ح 5101 ) عن عروة بن الزبير « أن ثوبية مولاة أبى لهب ، وكان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب ، أريه بعض أهله بشر حيبة . قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم [ راحة - رخاء ] غير أنى سقيت في هذه بعتقي ثويبة » وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع . وقد نظم شمس الدين محمد بن ناصر في هذا المعنى شعرا ، قال فيه : إذا كان هذا كافرا جاء ذمه * وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما * يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره * بأحمد مسرورا ومات موحدا انظر : شرح المواهب ( 1 / 138 - 139 ) وأيضا : الطبقات الكبرى لابن سعد ( 1 / 108 ) وكتاب « أعظم المرسلين » لشيخنا البركة الدكتور « جودة المهدى » ( 177 - 79 ) .